السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
208
مصنفات مير داماد
قريحتك لفطّنك لما يفي بإزاحة الشكوك وإماطة الأوهام بإذن اللّه سبحانه . فاعلمن أنّه فرقان ما بيّن ، بين الفاعل لفعل ما بالإرادة والاختيار وبين جاعله التامّ ، الموجب بإرادته واختياره ، المفيض لوجوده ووجود علله وأسبابه ( 2 ظ ) وشرائطه ومنتظراته على الإطلاق ؛ فالمباشر الذي اختياره أخير ما تستتمّ به العلّة التامّة لفعله ، فاعل لذلك الفعل بالاختيار لغة وعرفا واصطلاحا لدى الجماهير من العامّة والخاصّة . وليس هو بالجاعل التّامّ الموجب إيّاه بالإرادة والاختيار إلّا إذا كان مفيضا لوجوده بإفاضته وإفاضة جملة ما يفتقر إليه من العلل والأسباب . وإذ دريت ذلك بزغ لك أنّ الإنسان حيث إنّه مباشر لفعله واختياره أخير منتظرات الفعل وآخر أجزاء علّته التامّة ، فهو لا محالة فاعل مختار لأفعاله وأعماله . وحيث إنّه ليس الذي يفيض وجود الفعل وعلله وأسبابه ، إذ من جملة العلل والأسباب وجود نفسه وتحقّق قدرته واختياره وسائر ما يتعلّق به ذلك ممّا يغيب عن عقولنا ، ولا تحيط به أوهامنا . فليس هو الجاعل التامّ الموجد الموجب لأفعاله بالضرورة الفحصيّة ؛ بل إنّما الجاعل التامّ الموجد الموجب لكلّ ذرّة من ذرّات نظام الوجود بالإرادة والاختيار هو الملك الغنىّ الحقّ المفيض لعوالم الوجود بقضّها وقضيضها على الإطلاق ؛ وليس يصادم ذلك توسيط العلل والأسباب والشرائط والروابط الفائضة جميعا من جناب فيّاضيّته الحقّة المطلقة . ومن جملة العلل الرابطة والأسباب المتوسطة قدرة العبد ومنّته وشوقه وإرادته بالنسبة إلى ما يؤثره من أعماله وأفعاله . وذلك ، كما أنّ اللّه ، سبحانه ، هو الموجد المفيض الجاعل لذات زيد ووجوده مثلا ، مع أنّ أباه وأمّه وغيرهما ممّا يتوقّف عليه دخوله في دائرة الوجود من جملة علله وأسبابه المستندة في سلسلتيها الطوليّة والعرضيّة جميعا إلى جاعليّته التامّة ، تعالى شأنه وتعاظم سلطانه . « قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ » ( الرعد ، 16 ) . وهذا البيان يستكشف غطاء الخفاء عن سرّ قول سادتنا الطاهرين المعصومين ، صلوات اللّه وتسليماته على أرواحهم وأجسادهم أجمعين : « لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين » ( بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 12 ) . ومن هناك ما تسمع بعض شركائنا السّالفين من الحكماء الراسخين يقول : « الإنسان